خليل الصفدي
20
نكت الهميان في نكت العميان
المقدمة الرابعة قوله تعالى : عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى [ عبس : 1 ، 2 ] هذا الأعمى هو ابن أم مكتوم ، وسيأتي الخلاف في اسمه عند ذكر اسمه ، ويأتي ذكر أمه ، وهو الذي صار مؤذنا للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكان قد جاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو جهل بن هشام ، والعباس بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف ، والوليد بن المغيرة ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يدعوهم إلى الإسلام ، فقال ابن أم مكتوم أقرئنى وعلمني مما علمك اللّه ، وكرر ذلك ، فكره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قطع كلامه ، وعبس وأعرض عنه ، فنزلت هذه الآيات . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يكرمه بعد ذلك ويقول إذا رآه : « مرحبا بمن عاتبني فيه ربى » ، ويقول : « هل لك من حاجة ؟ » ، واستخلفه على المدينة مرتين « 1 » . وأورد الإمام فخر الدين ، رحمه اللّه تعالى ، هنا سؤالات : الأول : ابن أم مكتوم كان يستحق التأديب والزجر ، فكيف عاتب اللّه تعالى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيه ؟ واستحقاقه لوجوه : الأول : إنه وإن كان أعمى لا يرى القوم ، لكنه يسمع كلامهم وخطاب النبي صلى اللّه عليه وسلم لهم ، وكان يعرف بواسطة كلامه لهم شدة اهتمامه بشأنهم ، وكان اعتراضه وإلقاء كلامه في الناس قبل تمام عرض النبي صلى اللّه عليه وسلم معصية . قلت : يحتمل أن ابن أم مكتوم طلع عليهم دفعة واحدة ولم يسمع كلام النبي صلى اللّه عليه وسلم لهم ، ولا أحس بمن عنده من الصناديد ؛ لأنه كان يعلم محل المذكورين ، فلا يقطع عليهم كلامه صلى اللّه عليه وسلم . قال : والوجه الثاني : أن الأهم مقدّم على المهم ، وهو كان قد أسلم ، ويعلم ما يحتاج إليه من أمر الدين ، وأولئك كانوا كفارا وما أسلموا ، وكان إسلامهم سببا لإسلام جمع عظيم ، فإلقاء ابن أم مكتوم كلامه بين الناس سبب في قطع ذلك الخير العظيم .
--> ( 1 ) انظر : طبقات ابن سعد ( 4 / 1 / 153 ) ، والدر المنثور ( 6 / 314 ) ، وسير أعلام النبلاء ( 1 / 262 ، 263 ) .